فخر الدين الرازي
307
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
بسم اللّه الرحمن الرحيم سورة الكوثر ثلاث آيات مكية [ سورة الكوثر ( 108 ) : آية 1 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ ( 1 ) اعلم أن هذه السورة على اختصارها فيها لطائف : إحداها : أن هذه السورة كالمقابلة للسورة المتقدمة ، وذلك لأن في السورة المتقدمة وصف اللّه تعالى المنافق بأمور أربعة : أولها : البخل وهو المراد من قوله : يَدُعُّ الْيَتِيمَ وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ [ الماعون : 2 ، 3 ] الثاني : ترك الصلاة وهو المراد من قوله : الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ [ الماعون : 5 ] والثالث : المراءاة في الصلاة هو المراد من قوله : الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ [ الماعون : 6 ] والرابع : المنع من الزكاة وهو المراد من قوله : وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ [ الماعون : 7 ] فذكر في هذه السورة في مقابلة تلك الصفات الأربع صفات أربعة ، فذكر في مقابلة البخل قوله : إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ أي إنا أعطيناك الكثير ، فأعط أنت الكثير ولا تبخل ، وذكر في مقابلة : الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ قوله : فَصَلِّ أي دم على الصلاة ، وذكر في مقابلة : الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ قوله : لِرَبِّكَ أي ائت بالصلاة لرضا ربك ، لا لمراءاة الناس ، وذكر في مقابلة : وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ قوله : وَانْحَرْ وأراد به التصدق بلحم الأضاحي ، فاعتبر هذه المناسبة العجيبة ، ثم ختم السورة بقوله : إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ أي المنافق الذي يأتي بتلك الأفعال القبيحة المذكورة في تلك السورة سيموت ولا يبقى من دنياه أثر ولا خبر ، وأما أنت فيبقى لك في الدنيا الذكر الجميل ، وفي الآخرة الثواب الجزيل . والوجه الثاني : في لطائف هذه السورة أن السالكين إلى اللّه تعالى لهم ثلاث درجات : أعلاها أن يكونوا مستغرقين بقلوبهم وأرواحهم في نور جلال اللّه وثانيها : أن يكونوا مشتغلين بالطاعات والعبادات البدنية وثالثها : أن يكونوا في مقام منع النفس عن الانصباب إلى اللذات المحسوسة والشهوات العاجلة فقوله : إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ إشارة إلى المقام الأول / وهو كون روحه القدسية متميزة عن سائر الأرواح البشرية بالكم والكيف . أما بالكم فلأنها أكثر مقدمات ، وأما بالكيف فلأنها أسرع انتقالا من تلك المقدمات إلى النتائج من سائر الأرواح ، وأما قوله : فَصَلِّ لِرَبِّكَ فهو إشارة إلى المرتبة الثانية ، وقوله : وَانْحَرْ إشارة إلى المرتبة الثالثة ، فإن منع النفس عن اللذات العاجلة جار مجرى النحر والذبح ، ثم قال : إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ ومعناه أن النفس التي تدعوك إلى طلب هذه المحسوسات والشهوات العاجلة ، أنها دائرة فانية ، وإنما الباقيات الصالحات خير عند